ليست البطاطا الكندية المستوردة هي وحدها الفاسدة، لقد أصبحت المفردات المشتقة من كلمة فسد أكثـر شيوعا وتداولا في أوساط المجتمع، ''الفساد، الفاسد والمفسد''، مفردات نتداولها، نتعايش معها، ونكاد نألفها بسبب ذلك، وكأن الفساد ومشتقاته أصبح شرا لا بد منه، الأغرب أن الإصلاحات التي نتداولها، أو بعبارة أدق يتداولها المسؤلون، لأن المواطن العادي لا تعنيه وأنه لا يرى نتائجها الإيجابية في الميدان، ولأن الوضع المتردي في البلاد يبرز أن إصلاحاتنا التي كنا ننتظر أن تغير أوضاعنا نحو الأحسن كانت فاسدة، ذات نتائج مغشوشة ومعكوسة، يؤكد ذلك التدهور الواضح في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في حياتنا التربوية والجامعية والثقافية، في حياتنا الإدارية والأمنية، في حياتنا الصحية، في انتشار الفساد الفظيع، في الرشوة الجمركية، في انتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة، في اكتساح المخدرات للفئات الشابة من أبنائنا، في البطالة، في اتساع رقعة الفقر، في اليأس والإحباط لدى شرائح المجتمع المختلفة، عدم الاطمئنان للحياة الحاضرة، الخوف مما هو آت. بعد رحيل الرئيس هواري بومدين وفي مرحلة انتقالية دقيقة، كان المفروض أن تشهد فيه الجزائر مرحلة انتقالية نوعية، جزائر الاستقلال العصرية النامية المتطورة، في هذا المنعطف التاريخي جاء نظام بدون هوية سياسية واضحة، وبدون مشروع، جاء برجل خطير ما تزال الإطارات الوطنية تتذكره جيدا، إنه عبد الحميد براهيمي، جاء فجأة وبعد انقطاع عن الجزائر لأكثـر من خمسة عشر عاما، فترة عرفت فيها الجزائر تحولات كبيرة، تكونت فيها إطارات الاستقلال! أنجزت مشاريع وطنية حيوية كبرى في التصنيع وإصلاح التعليم العالي، والمنظومة التربوية ونظام صحي حديث، وبدأت الحياة تمتد إلى الريف. القضاء على البطالة، الخدمة الوطنية، بناء جامعات حديثة كبرى، وضع أسس تنظيمية للبحث العلمي في ميدان التوجيه والإنجاز، جاء الرجل الجديد الغريب الذي أتى به النظام الجديد، بصفة غير عادية ومثيرة بقدرة قادر، أصبح عضو اللجنة المركزية، وعضو المكتب السياسي وزيرا للتخطيط، ورئيسا للحكومة بعد ذلك أعطيت له صلاحيات استثنائية في الميدان الاقتصادي، خاصة وفي حكم ضعيف امتدت صلاحياته إلى قطاعات حيوية أخرى مثل الجامعة والتعليم، كلف بتنظيم مؤتمر استثنائي خاص بالاقتصاد الوطني، أعلن من خلاله أن الجزائر في طريق الإفلاس، وأن كل ما أنجزته كان خطأ، في الصناعة، في المحروقات، في الصحة، في التعليم، وأنه جاء ليعيدها للسكة، بإعادة التوازنات الاقتصادية، وأنه سيقضي على اختلال تلك التوازنات. وكان شعار المؤتمر ''من أجل حياة أفضل''، من أجل هذه ''الحياة الأفضل'' وقع تفكيك المؤسسات العمومية الرئيسية تحت عملية إعادة هيكلة عشوائية، وقع تشريد الإطارات، تخويفهم، كيل الاتهامات لهم بعدم المعرفة وعدم القدرة على التسيير، بأسلوب إملائي تهديدي. وكانت النتيجة توقيف الاستثمار المنتج، فتح المجال لاستيراد الاستهلاك، فوصلنا إلى مخطط رباعي، دون نتيجة، تلاه مخطط رباعي ثاني ذهب في مهب الريح، فتضاعفت البطالة، وتعقدت المشكلة الاجتماعية، وأصبحت البلاد على وشك الإفلاس وقابلة للاحتراق، فكانا الاحتراق في انفجار أحداث أكتوبر .1988
جاء بعد ذلك رؤساء حكومات؛ فكانت حكومة المرحوم قاصدي مرباح رجل الملفات، كما قيل في وقتها، ثم مولود حمروش رجل الإصلاحات. وجاء صاحب الفراشة غزالي فأغرقنا في مهرجانات حوارية دون هدف ودون معنى، جاء رضا مالك ليواجه الإرهاب وحالة الإفلاس، فاضطر لعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشروطه المعروفة، رؤساء حكومات أخرى. أحمد أويحيى أكثـر من مرة ليكرر تجربة عبد الحميد براهيمي، علي بن فليس جاء مدعيا تطبيق برنامج الرئيس بوتفليقة، ثم ينقلب على ولي نعمته، رؤساء حكومات أخرى، بدون أثـر؛ مقداد سيفي، بن بيتور، إسماعيل حمداني، أخيرا عبد العزيز بلخادم، وكانت كلمة الإصلاحات هي السائدة لدى الجميع. وبقيت الأمور على حالها، وتزداد تعقيدا بسبب التراكم وضياع الوقت في هذه الفترة الحرجة، ومع ادعاءاتنا بالإصلاح، وقعت أحداث خطيرة، استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد الغامضة، تشكيل رئاسة خماسية بقيادة الرئيس بوضياف الذي اغتيل بكيفية مرعبة وغامضة أيضا، واصل الرئيس علي كافي قيادة الرئاسة الخماسية ليتركها بعد حوار كاد يصل إلى غايته فأجهض. جاء بعده الرئيس زروال ليطلق قانون الرحمة ثم ينسحب بدون استكمال عهدته التشريعية. أخيرا جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليقول لنا: إن المصالحة الوطنية هي الحل السحري لجميع مشاكلنا. والنتيجة أنه ومنذ أكثـر من ربع قرن من ادعاءات الإصلاح المرتجل لم يتغير شيء جوهري في حياة البلاد لا سياسيا ولا اقتصاديا. لماذا هذه النتيجة السلبية، لأن المعالجة كانت خاطئة ولم تخضع لاستراتيجية مدروسة بعيدة الأمد. كانت معالجة بيروقراطية في مكاتب مغلقة، كان المنطق في مطلع الثمانينات أن ننتقل بالجزائر نقلة نوعية، كما كان التفكير سائدا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي فلم نفعل، وكان المنطق السياسي والعقلاني أن نقوم بنقد موضوعي لمسيرتنا وأن نغير المسار الوطني لتخليصه من الأسباب الموضوعية التي أوصلتنا إلى الانفجار الدموي، لكننا فضلنا الإصرار على السير في الطريق المسدود، الذي يعيد النظام نفسه بطرق ملتوية، ندخل على البناء رتوشا على شقوقه المتعدده من غير إصلاحه أو إعادة البناء، أي الاستمرار في الخطأ، فهل نستخلص الدروس..
المصدر : محمد سعيدي
2008-01-09
كتبها الصديق سليم شتوح / Salim Chettouh بوسعادة في 09:00 مساءً ::
الاسم: الصديق سليم شتوح / Salim Chettouh بوسعادة
